قصّة و عبرة من التّاريخ
كان المسلمون في الأندلس في عزٍ وتمكين لما كانوا يدا واحدة ولما كانوا يعتمدون الجهاد منهج حياتهم وأعظم أهدافهم . إذ كان ملوك المسلمين يقودون كتائب الجهاد لنشر الإسلام أمثال طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبدالرحمن الغافقي ثم عبدالرحمن الداخل وإلى عبدالرحمن الأوسط ثم إلى أبي عامر المنصور الذي كان يأمر جنوده إذا رجعوا من غزوة أن يجمعوا له غبار حذائه فإذا سألوه ما الذي سيفعل به قال إذا مت فاجعلوه في كفني فإذا قدمت على ربي قلت يا رب هذا غبار قدمي في سبيلك. حتى هابه ملوك النصارى وصاروا يسعون جاهدين لعقد الصلح معه ودفع الجزية حتى أن أحد ملوك النصارى في شمال الأندلس أهدى له الهدايا العظيمة ليصرفه عن قتاله وكان من ضمن الهدايا أن أهدى ابنته له سبية جارية. فهل رأينا عزا كهذا العز أو مجدا كهذا المجد .!!..
ثم مرت السنون والأيام فقعد حكام المسلمين في الأندلس عن الجهاد في سبيله وانشغلوا بالزخرفة و العمران وانتشر اللهو والطرب وصار طبيعة الحياة وانتشرت القيان والمعازف وصار بدل أن يملأ بلاط الحكام العلماء والعقلاء ملأه الشعراء و المغنون و السفهاء وأصحاب اللهو و المصالح الشخصية أضف إلى ذلك تنافس الملوك على الحكم وتفرقهم حتى بلغت دويلات الأندلس اثنتين وعشرين دويلة تقريبا حتى صار ذلك العصر يعرف بعصر دويلات الطوائف فهذا المعتمد وهذا المعتضد وهذا المتوكل وهذا المقتدر وهذا القادر بالله وهذا الناصر وهكذا ألقاب ملوك وسير صعاليك جمعة للمال خونة للأمة لا يبالون بما يهدد المسلمين من خطر عدوهم وتربصه بهم حتى قال أحد الشعراء المتضجرين من وضع ملوك الطوائف في الأندلس :
مـما يـزهـد في أرض أنـدلـــــــس ألـقـاب معـتضد فيها ومعتـــــــمـد
ألقاب مملـكة في غـير مــوضعـها كالهر يحكـي انتفاخا صـولة الأسـد
واستمر المسلمون دويلات متفككة متناحرة حتى كان بعضهم يعقد الحلف مع دول النصارى ضد بعضهم إذا خاف على دويلته من الآخر وحتى ذكر من سخافتهم أنه إذا تزوج أحدهم بأخت الآخر أو ابنته اتحدا في الحدود ليصيرا بذلك دويلة واحدة والسبب عقد زواج هكذا بمنتهى السخافة و اللا مبالاة . حتى طمع فيهم النصارى وصاروا يباشرون غزوهم بينما هم يلتزمون موقف الدفاع وإذا ماهوجم أحدهم تفرج عليه الآخر دون أي حراك وكأنه ينتظر دوره إلى المذبحة.